ابن أبي العز الحنفي

44

شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية )

وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الشَّهَادَةَ تَكُونُ بِالْفِعْلِ ، قَوْلُهُ تَعَالَى : { مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ } ( 1 ) فَهَذِهِ شَهَادَةٌ مِنْهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِمَا يَفْعَلُونَهُ . وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ يَشْهَدُ بِمَا جَعَلَ آيَاتِهِ الْمَخْلُوقَةَ دَالَّةً عَلَيْهِ ، وَدَلَالَتُهَا إِنَّمَا هِيَ بِخَلْقِهِ وَجَعْلِهِ . وَأَمَّا مَرْتَبَةُ الْأَمْرِ بِذَلِكَ وَالْإِلْزَامِ بِهِ ، وَأَنَّ مُجَرَّدَ الشَّهَادَةِ لَا يَسْتَلْزِمُهُ ، لَكِنَّ الشَّهَادَةَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ تَدُلُّ عَلَيْهِ وَتَتَضَمَّنُهُ - فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ شَهِدَ بِهِ شَهَادَةَ مَنْ حَكَمَ بِهِ ، وَقَضَى وَأَمَرَ وَأَلْزَمَ عِبَادَهُ بِهِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ } ( 2 ) ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ } ( 3 ) ، وَقَالَ تَعَالَى : { وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ } ( 4 ) ، { وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا } ( 5 ) ، وَقَالَ تَعَالَى : { لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ } ( 6 ) ، وَقَالَ تَعَالَى : { وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ } ( 7 ) ، وَالْقُرْآنُ كُلُّهُ شَاهِدٌ بِذَلِكَ . وَوَجْهُ اسْتِلْزَامِ شَهَادَتِهِ سُبْحَانَهُ لِذَلِكَ : أَنَّهُ إِذَا شَهِدَ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ، فَقَدْ أَخْبَرَ ونبّأ وَأَعْلَمَ وَحَكَمَ وَقَضَى أَنَّ مَا سِوَاهُ لَيْسَ بِإِلَهٍ ، وَأَنَّ إِلَهِيَّةَ مَا سِوَاهُ بَاطِلَةٌ ، فَلَا يَسْتَحِقُّ الْعِبَادَةَ سِوَاهُ ، كَمَا لَا تَصْلُحُ الْإِلَهِيَّةُ لِغَيْرِهِ . وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ الْأَمْرَ بِاتِّخَاذِهِ وَحْدَهُ إِلَهًا ، وَالنَّهْيَ عَنِ اتِّخَاذِ غَيْرِهِ مَعَهُ إِلَهًا . وَهَذَا يَفْهَمُهُ الْمُخَاطَبُ مِنْ هَذَا النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ ، كَمَا إِذَا رَأَيْتَ رَجُلًا يَسْتَفْتِي رَجُلًا أَوْ يَسْتَشْهِدُهُ أَوْ يَسْتَطِبُّهُ وَهُوَ لَيْسَ أَهْلًا لِذَلِكَ ، وَيَدَعُ مَنْ هُوَ أَهْلٌ لَهُ ، فَتَقُولُ : هَذَا لَيْسَ بِمُفْتٍ وَلَا شَاهِدٍ وَلَا طَبِيبٍ ، الْمُفْتِي فُلَانٌ ، وَالشَّاهِدُ فُلَانٌ ، وَالطَّبِيبُ فُلَانٌ ، فَإِنَّ هَذَا أَمْرٌ مِنْهُ وَنَهْيٌ .

--> ( 1 ) سورة التَّوْبَةِ آية : 17 . ( 2 ) سورة الْإِسْرَاءِ آية : 23 . ( 3 ) سورة النَّحْلِ آية : 51 . ( 4 ) سورة البينة آية : 5 . ( 5 ) سورة التوبة آية : 31 . ( 6 ) سورة الْإِسْرَاءِ آية : 22 . ( 7 ) سورة الْقَصَصِ آية : 88 .